المقريزي

131

المقفى الكبير

ثمّ قال لهم : بادروا فليس في الأمر مهلة ، ولا تطمعوا في أنفسكم وفي الدولة ! وقد بلغكم ما كان بالشام . وكانت أمّ أبي القاسم أو نوجور تستمع ، فأعجبت بقوله وكذلك جميع الحاشية . فبعثت إليه : تكون أنت المدبّر ! فامتنع فألزموه ذلك فقال : على أن لا أنزع الطيلسان « 1 » ، ولكن ابني أبو علي - يعني الحسين بن محمد - يكون وزيرا وأنا أدبّر الأمر . فأجابوه إلى ذلك ، وقبض أبو المظفّر على الوزير محمد بن علي بن مقاتل ، وقام محمد بن علي ومعه الوجوه والقوّاد إلى داره فصرف الأمور ، وكتب إلى الشام بما فعله ، فوردت الأجوبة بشكره . وسار أبو الفضل جعفر بن الفرات فركب معه وشيّعه إلى داره وإلى المسجد يوم الجمعة . وقدم كافور إلى مصر بالعساكر التي كانت بدمشق مع الإخشيد ، فاستمرّ أبو بكر محمد بن عليّ يدبّر الأمور إلى أن خرج كافور من مصر بالعساكر لقتال سيف الدولة أبي الحسن عليّ بن حمدان ، ومعه أبو عليّ الحسين بن محمد الماذرائيّ ، وأقام أبوه محمد بن عليّ مع أونوجور . فقدم أبو نصر غلبون بن سعيد المعرّي « 2 » الثائر بالصعيد إلى الفسطاط ، وانهزم منه أونوجور بمن معه ، ومنهم محمد بن عليّ . وتبعهم أصحاب غلبون ، فأدركوا محمد بن عليّ ، وقد سقط عن بغلته فأتوا به غلبون فأكرمه وأجلسه إلى جانبه ، ثمّ أمره أن ينصرف إلى داره [ 109 أ ] ويبكّر لتدبير الأمر ، فانصرف . وغدا إليه في عسكر عظيم بالحجّاب والأتباع حتى جلس في دار الإمارة ، وقد خرج غلبون إلى عسكره بباب المدينة . فلم يشعر محمد بن عليّ إلّا وأونوجور قد عاد إلى المدينة في الساعة الثالثة من النهار . فلمّا رآه أونوجور أمر بضربه ، فضرب ضربا عظيما كان يأتي على نفسه لولا ما أدركه اللّه بنجح الخادم حتى طرح نفسه عليه وجرّه برجله إلى بيت الماء وأغلقه عليه ، وامتدّت الأيدي إلى داره فنهبوها وسائر دور أهله وأقاربه ، فكان يوما عظيما . واستوزر أونوجور عوضا عنه أبا الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات ، وذلك كلّه في يوم الأربعاء لسبع خلون من ذي القعدة سنة خمس وثلاثين [ وثلاثمائة ] . وقبض على ابنه الحسين بالشام . فلمّا قدم كافور من الشام في سنة ستّ وثلاثين ، وصار إليه تدبير أمور الدولة ، أطلق محمد بن عليّ ، وأعاده إلى داره مكرّما في شعبان سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة ، وردّ إليه ما بقي من ضياعه وضياع ابنه . فلم يزل إلى سنة أربعين ، فماتت أمّ ولده وحجّ من عامه ذلك ، وواصل الحجّ خمسة أعوام فكملت له سبع وعشرون حجّة على ما وصفنا من السعة والإنعام . ثمّ إنّه اعتلّ ، فكان كافور يعوده في كلّ يوم ثلاثاء ، إلى أن مات ليلة الجمعة لإحدى عشرة خلت من شوّال سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ، فدفن في داره ، ثمّ نقل إلى المقبرة . [ سعة إفضاله ] وكانت له فضائل ، منها أنّ ديوانه أطبق على

--> ( 1 ) الطيلسان : ثوب فاخر للعلماء والقضاة والفقهاء . ( 2 ) عن الحرب بين غليون وشادن ، انظر الولاة والقضاة 295 : وقتل غلبون في 25 ذي الحجّة 336 . والأقرب إلى الظنّ أنّه مغربيّ لا معرّيّ .